حارسات التراث

سارة أبو الرب

زرت بيت سوريك مرات عدة ضمن عملي على مشروع توثيقي للمعالم التاريخية في البلدة. أخذتني بلدتها القديمة بسحر مبانيها وأقواسها التي تظلّل طيور الحمام. وفي آخر زيارة سنحت لي الفرصة أن أستمع لقصص نسائها وعاداتهن قديماً.
التقيت بأم العبد في منزلها وعرفت بنفسها كناشطة اجتماعية أسست جمعية نسوية في البلدة عام 2005. "كنا نعطي ورشات حول العنف الأسري وننفذ أنشطة ورحلات إلى القدس للترفيه عن نساء البلدة"، توضح أم العبد.

ودخلت أم العبد مجال العمل المؤسساتي بعد أن كانت تاجرة برقوق "مرّة" لسنوات. إذ اشتهرت بيت سوريك بزراعة البرقوق، وكانت النسوة تخرج من بيوتها صباحاً (سروة) ويركبن الباص المتجه إلى القدس. "كان البرقوق ينشحن من بيت سوريك على عمّان وتل أبيب وكنا نزرع ونوكل من الأرض"، تقول أم العبد. وفي السابق كانت النساء تسير إلى القدس مروراً بطريق المدانات أو المدّانة عبر قرية لفتا. أما بعد بناء الجدار فأصبحن يسلكن طريق قرية النبي صموئيل. "كانت إمي وستي يشترين بلح السويدا من السوق الزريعة عند اليهود ويبيعنه بالقدس"، تقول أم العبد التي اعتادت الذهاب إلى القدس بالباص الذي كان يوصلها إلى باب العمود خلال عشر دقائق لتبيع صناديق البرقوق، ولما اكتشفت أن البيع بالكيلو مربح أكثر، غيرت طريقتها. "كانوا يشتروا الصندوق شيلة بيلة. شفت الكيلو أربح فصرت أبيع بالكيلو".

وعرفت بيت سوريك بزراعة الكوسا واليقطين كذلك، فيما تراجعت زراعة البرقوق أمام الزيتون منذ السبعينات، وبعد بناء الجدار الفاصل أصبح تسويق البرقوق صعباً. "شغل البرقوق متعب أكثر من الزيتون. كنا نبيع الثمر ونستخدم الحطب للنار"، تضيف أم العبد.
يعود كثير من أهالي بيت سوريك إلى قرية بيت شنّة المهجّرة، الواقعة جنوب شرق الرملة. "كنا نصيف في بيت شنة ونزرع الحبوب فيها ونقضي الشتاء في بيت سوريك"، بحسب أم العبد.

ولأن القدس كانت المدينة الأقرب بالنسبة لأهالي بيت سوريك، كانوا يتسوقون فيها في مناسباتهم ويجلبون احتياجاتهم منها. وعرفت النساء الشيخ محمد في القدس، الذي كان يبيع القمابيز وغيرها من الملابس التقليدية. "كان الأب ياخذ قياس كنادر أطفاله بالخيط. يقيس طول الرجل بالخيط ويروح عند الشيخ محمد يطلب منه كندرة على مقاس كل ولد"، تشرح أم العبد ضاحكة.

جلسات ومناسبات

كانت نساء بيت سوريك تجتمع حول عين القرية بجانب المسجد. "كنا نصف تنكات على الدور ونتخرف أو حوالين البيوت في الحارات"، تصف أم العبد.

ومن الطرائف التي ترويها أم العبد، أنها ألبست زوج خالتها المطارد مجوهرات وغطاء رأس كي تخبئه من الإنجليز. "لبسته عشاري ووقاة عشان ما يميزوه. وقتها كانوا الي بمسكوه الإنجليز بقولوله خذ (الكريك) واحفر قبرك بإيدك". وتحدثنا أم العبد عن مطارد من أقربائها أمسك به الجيش الإنجليزي وأمروه حفر قبره بيده، فاستغل انشغال الجنود ليضربهم بالكريك ويفرّ هارباً.

تفاخر أم العبد ببراعتها في "البدع"، وهو نوع من الشعر الغنائي الذي تردّده النسوة في زفّة العروس. فكانت تبدع هي بالشعر ولماوفي الأعراس، كان الرجال يشعلون الحطب ويرقصون ويدبكون في ساحات البيوت بينما تغني النسوة في البيوت. ومن عادات الأعراس في بيت سوريك قديماً أن يهدي الولد الأكبر في زفافه خواتم ذهب لعماته وشقيقاته. تشعر بالتعب تأخذ مكانها سيدة أخرى فيجري الحوار التالي بينهما:
"بالإذن منك هيه يا بداعة
هيه يا بداعة بالإذن منك
تاني أبدع عنك اسمحيلي تاني أبدع عنك"
"تفضلي قولي يا (فلانة) يا سوريكية
قولك عراسي قولك عراسي
ما فهش نحاس قولك فضة ما فهش نحاس".

وفي أعراس بيت سوريك، كان الأهالي يطبخون العصيدة مع مرق اللحم والمناسف. وتردّد لنا أم العبد بعضاً من أغنيات النسوة في الأعراس قائلة:
"مية أهلاً وسهلاً فيكم والله لاطلع وأحييكم
فلان يصب القهوة وفلان يصب ويسقيكم
مية أهلاً وسهلاً فيكم وأنا اطلع وأقابلكم
فلان يصب القهوة وفلان يصب ويكرمكم".

وحين يصل العريس كانت تغنّي له النسوة داعينه للاعتناء بعروسه قائلات:
"يا صاحب الطير قوم اسهر عَ طيرك
الطير طيرك وموالف عَ غيرك
اسهر عليه بالعلف ليوخذه غيرك"

واعتمد الأهالي على مبدأ العونة في تدبير أمورهم. "ما بقاش لا باطون جاهز ولا غيره. يدوروا يعقدوها على إيديهم. يجبلوا الجبلة ويدوروا بالتناك يحملوا عكتافهم ويدوروا"، تقول أم العبد وتتردّد الكثير من الأغنيات الشعبية التي يغنيها الشباب أثناء عملهم لتشجيع بعضهم البعض. ومن ذلك ما تحفظه أم العبد:
ووو ووو وو!
يا صاحبي ما بخليك يا واوي
ما دام بكيفي براسي يا واوي
يا واوي لاسحب سيفي وأباريك يا واواي
لما بين خلاصي يا واواي


مقامات أولياء بيت سوريك

واشتهرت بيت سوريك بطريقة صوفية يقودها آل الشيخ. وكانت لهم رايات ترفع وعدّة تدق معها في المناسبات الدينية. ويُقال إن الجبال بين بيت سوريك والنبي صموئيل كانت مسكونة بالصُلاح الذين شاعت أخبار كراماتهم لاحقاً. ومن شيوخ وأولياء بيت سوريك الشيخ عبد العزيز، وله مقام جنوب القرية. وهو مستودع ماء منحوت في الصخر وقبته مهدومة وتظلله شجرة توت وبجانبه بركة ماء كبيرة وخمس آبار محفورة في الصخر وفخار من الفترتين البيزنطية والعثمانية.
وللشيخ حسين مقام في المسجد وسط البلدة وهو مقام لا ضريح له، رغم اعتقاد الأهالي بأنه مدفون تحت المسجد, ويقول الأهالي إن الشيخ حسين يظهر وهو يركب حصانا أخضر وعلى رأسه تاج أخضر. وتقول حكاية إن أحدهم قطع مَطرقا من شجرته (غُصن) ولما ضرب بالمطرق البغل الذي يركبه توقف البغل عن المشي، فلما رد المطرق وألقاه بجانب الشجرة مشى البغل.


عرف عن الشيخ حسين أنه من الصالحين، فكل أراضي الوقف في البلدة ملكه، علماً أنه لم ينجب. واعتاد الأهالي إشعال البخور والمصابيح في مقام الشيخ حسين ليلة الخميس حتى دخول فجر الجمعة. ومن المقامات كذلك مقام الشيخ عبد الله في مقبرة القرية تحت شجرة سنديان قطعها الجيش العربي عام 1948. ويروي الناس أن الشيخ عبد الله يظهر في هيئة غول أو أفعى أو عربيد.
أما مغارة العين التي تسكنها "ستنا عذبة"، فيعتقد بأنها مسكونة بالجن، ويعتقد الأهالي بأنه جلس فيها أو أقام عندها بعض الأولياء الصالحين. وعرف الناس كذلك الشيخ تيلخ (محمد الحاج)، الذي يًقال إنه من أهل الخطوة، لقدرته على قطع المسافات والزمن. وقيل إنه أخذ أكلاً لاخيه الذي كان في مكة المكرمة وعاد إلى بلدته دون أن يعرف به أحد، وكان قد ترك ذئباً يرعى الغنم في المرعى لحين عودته. ويوجد مقام الشيخ تيلخ حتى يومنا في البلدة.

محتوى المدونة من مسؤولية جمعية الروزنا ولا يعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد الاوروبي

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Comment

Name

Email

Url