مركز التعليم البيئي

تقاليد صديقة للبيئة

تُشكل الأعياد فرصة وفضاءً للفرح، وهي جزء من الموروث الثقافي الفلسطيني الأصيل، الذي كان صديقًا للبيئة بغالبية ممارساته: طعامه، وشرابه، وحلواه، وألعابه، وطقوسه، وزينته، عدا عن تجسيده لفكرة الاكتفاء الذاتي، وتجنبه لتلويث البيئة واستنزاف مواردها، وحرصه على الإنتاج والاستهلاك المستدامين بإعادة تدوير الكثير من الخامات.
تعقب الأعياد الإسلامية والمسيحية عبادات التقرب إلى الله (الفصح المجيد بعد نهاية صوم الأربعين، وأعياد الميلاد المجيدة، والفطر بعد شهر رمضان المبارك، والأضحى المبارك عقب الحج).
وتتشابه الأعياد المسيحية والإسلامية في الكثير من العادات كزيارة المقابر، وزيارة الرحم، كما هناك الكثير من المواسم الدينية كسبت النور، والخضر، ومار إلياس، وعيد العذراء، وموسم النبي موسى، وغيرها التي يُحتفل بها بطقوس خاصة تتشابه مع الأعياد، والتي صارت تتراجع وتتغير بسبب الحصار والإغلاقات والقيود التي يفرضها المحتل.
بعودة خاطفة إلى التاريخ الشفوي الذي جمعه باحثو مركز التعليم البيئي من رواته، أو مصادره منشورة كانت أجواء الفرح واللعب والتكافل الاجتماعي حاضرة في الأعياد بقوة.



كعك وقلائد

ففي قرية مثل أم الزينات القريبة من حيفا، كانت رائحة الكعك والفطير تفوح من البيوت كلها، وكانت الأمهات والصبايا يعملن لوقت طويل قبل حلول العيد في صناعة الحلوى التراثية، وتحضير العجين، ونقله إلى الطابون (أماكن للخبز كالأفران)، ورش السمسم والقزحة (حبة البركة) عليه، وتجهيزه في أوان من القش، ثم تقدمه للضيوف بجوار القهوة المرة، والملبس الذي كان يسمى (بيض الحمام).
أيضًا، كانت الفتيات ينفقن وقتًا طويلًا في اللعب، فيجهزن بمساعدة الأمهات ألعاب العيد من بقايا الأقمشة غير المستعملة، ثم يذهبن للبساتين المجاورة للهو على المراجيح محلية الصنع، والتي تتشكل من ربط الحبال بين شجرتين كثيفتين بالظل.
وقبلها، يصنعن القلائد من العملات (القطع المعدنية من الجنيه من فئتي 5 و10، والمثقوبة من الوسط). كن يلبسنها ويشترين بها الحلوى والقضامة (الحمص) والأساور، أما الأولاد فكانوا يفرحون كثيرا بالتكبير ليلة العيد مع الشيخ الملقب (أبو حنا)، وكانوا يذهبون إلى حيفا لشراء القماش قبل العيد بوقت طويل ثم تتوجه الفتيات لخياطة القرية، ويتسابق للبس كعك العيد الدائري في أيدينا مثل الأساور.
كان الصبية يتسابقون على الاستيقاظ المبكر صبيحة يوم العيد، لارتداء الملابس والأحذية الجديدة، والتي يضعونها تحت مخداتهن، ويحلمون طوال الليل بها.
أما في قرية الكفرين قضاء حيفا، فكان العيد يعني العادات والمظاهر الفريدة، ففي الليل تجتمع العائلات وتتسامر بعد التكبير في المسجد، ثم يجمع الأهالي ثمن الأضاحي لغير المقتدرين، وفي الصباح يخرج الرجال للصلاة، وتذهب النساء لزيارة القبور، فيوزعن الحلوى وبعضهن النقود لمن يقرأ القرآن على أرواح الأموات.

ألعاب شعبية

كان الصغار يطيرون من الفرح، ويبحثون عن ألعابهم الشعبية كالحجلة والطمامية، ونطاطة الشبرين، فيما تذهب البنات إلى المراجيح المصنوعة من الحبال المربوطة بالأشجار. ويحرص الفتية على لعبة الزرينة ( كومة تراب يدافع فريق عنها وآخر يحاول هدمها) والدقة والحاح، ويصنعون الفطبول (الكرة) من الشرايط (القماش المُستخدم).
ونطاطة الشبرين، يضع اللاعب قدميه فوق بعضهما، ثم يأتي بكفيه المفتوحين ويضعهما في الأعلى، وعلى اللاعب أن يقفز دون أن يفقد توازنه أو يتخلى عن وضعية القدمين والكفين ليظفر بالفوز.
غالباً ما كانت الأمهات في كل القرى الفلسطينية يطبخن الذبيحة بأكملها في يوم العيد الأول بتقليد اسمه "التطنيج" لغياب الثلاجات، فيضعن اللحم على النار في أوعية نحاسية، ويجعلنه يفقد الدم الموجود فيه، ويضفن له البهارات والتوابل، ويضعنه في أوعية زجاجية ، ويبقى دون تلف عدة أشهر، وبعد الانتهاء من الأضاحي تتفرغ النساء لصنع البحتة وهي الأرز بالحليب لأن الأطفال لا يغرمون باللحم ويفتشون عن الحلوى، وقبلها يتكفلن بصناعة معظم حلوى العيد والمناسبات الأخرى، فيجهزن القرفة والحلاوة و الخوية والكراوية، والقطين، عدا عن عادات صبغ بيض عيد الفصح، وصناعة الكعك والمعمول.

بحر وتكافل

أما الأطفال في المدن والبلدات الملاصقة للساحل فيذهبون إلى البحر في يافا وحيفا وعكا، والبعيدون يكتفون بالتوجه إلى عيون بلداتهم التي تحمل أسماء شعبية مثل: الحنان، والبلد، والناطف.
بحسب الرواة، كان الفارق الأكبر في الأعياد الإسلامية والمسيحية ما قبل النكبة عن نظيراتها هذه الأيام، علاقات حسن الجوار المتينة والتي كانت لا تفرق كثيرًا عن الأخوة وعادة تبادل الطعام في العيد وغيره وحرص الأهالي على إدخال بهجة العيد لبيوت غير المقتدرين، وتوفير أضحية العيد لهم، خاصة القرى التي تشتهر بثروتها الحيوانية.
كانت نساء قرية شحمة قضاء الرملة يلبسن الأثواب الفلسطينية المطرزة بالأبيض والأسود وأحياناً الأزرق والأحمر والأخضر، ويضعن الغُدقة والعصبة على الرأس( مثل الحجاب). أما الرجال فكانوا يلبسون الدماية والسروال. في حين كان الأهالي يتوجهون إلى البحر، فيركّبون الأطفال والنساء على الجمال، ويخيّمون على الشاطئ عدة أيام، يأكلون ويفرحون ويلعبون بالماء والرمل.
كان يوسف زكي يعمل منادياً في قرى قضاء حيفا، إذ يحمل الأخبار، مثل الصحافيين اليوم، إلى القرى المجاورة لإبلاغهم بالأحداث الاجتماعية، كحلول شهر الصوم، ودخول العيد، والمواليد والأعراس وحالات الوفاة، وكان يحصل على أجر وهدايا من الأهالي لقاء عمله.
كانت حيفا مدينة مختلفة، قدمت نموذجًا لوحدة الحال في الأعياد وسائر المناسبات بين المسلمين والمسيحيين، فكان الجيران يتزاورن يأكلون كعك الفطر، ويتناولون بيض الفصح الملون، ويتبادلون التهاني والزيارات


ميلاد يافا

كان أهالي يافا يقصدون بيت لحم قبل النكبة في عيد الميلاد المجيد قبل النكبة، وكانوا يجلسون بجوار حديقة كنيسة المهد وساحتها. وكانوا يصطحبون معهم طعامهم: محشي الدجاج، وكوسا وورق عريش (ورق عنب)، والرز المفلفل المغطى بالصنوبر واللوز واللبن.
كانت الحافلات تحضر لنقل أهالي يافا المحتفلين بالميلاد المجيد إلى بيت لحم بشكل جماعي. وبعد الصلاة ومراسم الاحتفالات كان يذهب الجميع خارج الكنيسة في ساحة “جنينة” مخصصة لوضع الأكل الذي يكون من نصيب جميع الحاضرين. وعقب الطعام يحتسون القهوة والحلويات.
كانت عيديات الميلاد المادية للفتيات لشراء ما يرغبن، أما الفتية فيفضلون الدراجات الهوائية، أما هدايا الميلاد فتعلق على شجرة البسيطة يتنافس الأطفال على من يحوز على أجملها وأثمنها.